| | | | |
شؤون فلسطينية
شؤون عربية
شؤون عالمية
شؤون صهيونية
ثقافة
وثائق
دراسات وأبحاث
صحافة عربية
صحافة أجنبية
كاريكاتير
روابط
 
آخر الأخبار
Wednesday, July 23, 2014
  ثقافة
حكاية المُقايسة
أحمد حسين [2007-11-19]













هذه قصة أسقطتها الرقابة العباسية ومن بعدها الرقابة البويهية من كتاب «ألف ليلة وليلة»، فتناقلها الناس شفاهًا حتى مشارف الدولة المملوكية. ولكن خواصّ الزمن، وضراوة الأحداث ملأت أذهان الناس وأفرغتها مرّات ومرّات، فدفعت بالحكاية جانبًا وتودّد إليها الإهمال، إلى أن نسيتها المجالس، ولم يعد يعثر بها أحد. ولولا صدفة ماجنة ألقت بها مخطوطةً بين يديّ، لظلّت منسيّة إلى ما بعد يوم الحساب.

ولست أدري من خطّها.. ولماذا، فقد وجدتها في مكان لا يُحسد عليها، وكأنها صورة خليعة في محراب. إذ بينما كنت أراجع عند أحد الأصدقاء مخطوطة جليلة بعنوان «التشهير بسدَنَة التزوير» - وهي تتحدث عن «حمدان قرمط» رحمه الله، وكيف أنه كان يبيح التزوير في كل شيء من أجل استمالة العامّة واللعب عليهم - أقول بينما كنت أراجع هذا المخطوط وجدتها مضطجعة ساكنة كالحرباء، في ركن من أركان الحاشية، وبخط غير متمرّس بالكتابة، أشبه ما يكون بخط عقود الزواج. وظنّي يقول، أن شيخًا ماجنًا من هواة التكسّب بالمُلَح، هو الذي خطّها لكي لا ينساها. فهو يقول في مقدمتها:

«هذه حكاية أصابت بالضرر غير واحد ممّن رواها. وهي لم تُرَ مكتوبة أبدًا، ولعلّني أول - أو على الأصحّ - ثاني من خطَّها بقلم، إذ يقال إنها كانت بعضًا من كتاب «ألف ليلة وليلة»، ثم حجر ولاة الأمر على تداولها، فمُحيت عن الورق، وثبتت في صوامع المُجّان والظرفاء، ولكنها الآن لا تكاد تُسمع إلا عند قلّة من شيوخ الظُّرف. وما كنت لأثبتها لولا ركوني إلى غفلة الأسباب ونُدرة الصدف».

ولا أزعم أني أنقل الحكاية بأسلوب كاتبها، إذ يبدو أنه اختطّها من فمِ عامّيٍّ فأثبت جزءًا منها كما رُويت له، فجاءت مُرتَثّة رخوة منزوعة الأوصال في ذلك الجزء. لذلك لم أحرص منها إلاّ على الحدث دون الأحدوثة، واخترت أن أرويها بحاضرتي أنا، متعمّدًا تغيير الأسلوب حين أشاء حفاظًا على نكهة الحديث:

يحكى أن أحد ملوك النواحي - واسمه «ريّان» - كان يبتدع الظلم ابتداعًا. فكان لا أمان لأحد عنده من رعيّته أو من غيرها، لا يحفظ كرامة ولا مالاً، ولا يصون عرضًا. الدم عنده كالماء، والرعية كالإماء، والرجال كالنساء. وكان إلى هذا مولعًا بالرتب والألقاب ومعاملة الناس على منازلهم، فأكثر من المناصب بين رجال حاشيته، وقسّم العامة إلى طبقات وألزم كل طبقة بزيّ خاص تعدّى القلانس إلى السراويل، وجعل لكل طبقة رزقًا لا تتعدّاه، فمن زاد عن طبقته في هيئة أو مأكل أو طبع نكّل به، وجعل الأجراء والزُّرّاع دونًا في المنزلة والرزق عن الجميع. وكان من جملة ما يقصد بذلك إثارة الفتن بين الطبقات ليثبت له الملك.

وضجّت الرعية بالظلم وعلى رأسهم الأجراء والزرّاع، ومما زاد الطين بلّة ولع الملك بالحرب وإرسال الجيوش لأمر ولغير أمر، فانتكست الأعمال، وتدهورت المنافع، وانتشر الجوع والفاقة الشديدة بين الناس، وكادت الفتنة تقع لولا علم الناس بما جُبل عليه ملكهم من القسوة، وما أعدّه لمثل هذا الأمر من عُدّة ورجال. ولكن الملك، «ريّان».. اشتاق كعادته إلى الحرب فابتدعها ابتداعًا، وزجّ جنوده في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. وطالت الحرب أكثر مما ظنّ الملك أن تطول، واتّسعت ساحتها. فألقى فيها بكل جيشه بما فيهم حرسه الخاصّ. وانتهز رجل من العامّة اسمه «شعبان» ماضي العزيمة، حَسن التصريف للأمور، هذه الفرصة فأثار الفتنة بين الأجراء أولاً ثم تبعتهم الطبقات الأخرى، وقسم من الجنود الذي فرّوا من المعركة، وأسقطوا الملك «ريّان» ونكّلوا به وبحاشيته تنكيلاً.

واعتلى «شعبان» كرسيّ الملك، وجمع حوله مساعديه ممّن أسهم في الفتنة أكثر من غيره، ثم قال لهم:
- انتهى التغيير وابتدأ التدبير، فأشيروا عليّ!
وتسابق الجماعة إلى الإدلاء برأيهم، فمنهم من أشار بإلغاء الرتب والألقاب والطبقات. ومنهم من رأى الإبقاء عليها مع الزيادة في العدل والتودّد إلى الرعيّة.

وكان بين الجماعة خبّاز ماكر اسمه «عليان» فغمز لـ«شعبان» بعينه ولم يتكلم. وكان «شعبان» يثق بالخباز ويعرف عن مكره ودهائه، فأذن للجماعة بالانصراف واستبقاه هو لوحده:
- رأيتك تغمز لي فعرفت أنّ عندك رأيًا.
فقال «عليان»:
- أيها الملك، سمعتك تقول انتهى التغيير وابتدأ التدبير، وما أظن مثل هذا القول إلا دليلاً على حسن نيّة الملك واحتياجه إلى دهاء السياسة وألاعيبها.
فقال «شعبان»:
- لا أنكر من ذلك شيئًا.
فعاد «عليان» يقول:
- الحُكم حُكم! وقوامه القدرة وعزّة المُلك، واختلاف الملك عن غيره من الناس، فإن كان مثلهم كرهوه، واستهانوا بحقّه ولم يعد له طاعة عليهم إلاّ بمقدار. وما ينبغي أن يكون الفرق بينك وبين الذي سبقك سوى حُسن السياسة من جانبك مع احتفاظك بكلّ ما كان له من الميزة على الرعيّة. ولكن ينبغي أيها الملك ألّا تنسى أنّ الناس ينتظرون التغيير، وأنهم لا يطيقون بعد الآن أيّ شيء مما كرهوه من مظاهر الطغيان عند سَلَفك، والرؤوس ما تزال حامية، وقد عرف الناس طريق الفتنة فإن تهاونتَ لم تستطع ضبط الأمور، وإن سكلت طريق سلفك انقضّوا عليك، والرأي الصواب بين هذين.
وأعجب منطق «عليان» الملك «شعبان» ولكنه لم يفهم غرضه:
- إنك لم تُشِرْ عليّ بعد!
قال «عليان»:
- إن العامّة لا تعرف عن المُلك إلا مظهره. فإن رضوا عن المظهر غفلوا عن المخبر، خاصة إذا كان مع حُسن المظهر حُسن السياسة ودهاء الـملك، وإنني أشير على الملك بأن يستبدل كل مظاهر المُلك عند سلفه بنقائضها، فيسحر ألباب الرعيّة، فإذا كان هذا، لم يُضره ما فعل بعد ذلك.
قال «شعبان»:
- أريد مشورة بشيء أفعله لأصل إلى ما تريد!
قال «عليان»:
- تلغي اسم الملك وتسمّي نفسك «خادم الرعيّة».
- ثم ماذا؟
- تسمّي كل فرد من أفراد الرعيّة «سيّدًا».
قال «شعبان» متعجبًا:
- أكون خادمًا ، ومن يقومون على خدمتي سادة؟!
قال «عليان»:
- لكي تكون سيّدًا على الحقيقة، وهُم خدمٌ على مثلها! وماذا يضرّك الاسم أو يفيدهم ما دمت أنت السيّد الحقيقي وهم الخدم؟
قال «شعبان»:
- وماذا أفعل بعدها؟
قال «عليان»:
- تفعل كل ما تريد بشرط الدهاء وحسن التصرف.
وعمل «شعبان» بكل ما أشار به «عليان»، فألغى الطبقات وأذاع في الناس أنهم كلّهم لآدم وآدم من تراب الجنة، وليس لأحد فضل على آخر إلا بطاعة «خادم الرعية»، وأنه منذ الساعة يحرّم هذا اللقب إلاّ على نفسه، ويمنح كل فرد من أفراد رعيته لقب «سيد» من أدناهم إلى أعلاهم منزلة. ثم أعلن فيهم بأنه مثل أي واحد منهم لا يحتفظ لنفسه من أمور المُلك بشيء سوى إعمال الفكر، واستنباط الشرائع، وتدبير شؤون الرعيّة في السلم والحرب، وإصدار الأحكام بالسجن والنفي والإعدام والمصادرة وحفظ النظام، ويترك لهم كل ما عدا ذلك. أما بالنسبة للزي الخاص بـ«خادم الرعية» فيجب أن يكون خاليًا من الأبّهة متميّزًا بألوان خاصة تظهر أنه «الخادم» الوحيد في المملكة. ثم عيّن يومًا في الشهر للمظالم يجلس فيه للناس، ويعطي فيه الحقّ لكلّ «سيّد» في المملكة يريد أن يشكو سيدًا آخر.

إلى هنا وأصل الحكاية لم يبدأ بعد، ولبّها وجوهرها كما يقول كاتب المخطوطة هو ما جرى بين «شعبان» و«عليان» من ناحية و«عادل الإسطبلي» من ناحية أخرى. ولا يعدو ما سبق كلّه أن يكون تمهيدًا لذلك الجزء من الحكاية، لا يتوضّح إلاّ به، مع بُعد ما بينهما في الموضوع والقضيّة. ولعلّ هذا الفرق لم يغب عن ذهن كاتب المخطوطة، فروى الجزء الأخير من الحكاية بأسلوب مختصّ بالحدث، تغلب عليه طلاقة العامّة وإباحيتهم وعدم التزامهم بلغة القرآن. وهذا ما سيحدو بي بعد الآن أن أروي بقيّة الحكاية بأسلوب يقترب من أسلوبه دون أن يخالطه حفاظًا على رزانة اللفظة والبعد بها عن التهتّك والخلاعة:

انبسط الناس انبساطًا عظيمًا بـ«خادمهم» الجديد، وصاروا يريدون إظهار الحب له بكل ثمن، حتى أن بعض الجماعة ركّبوا على رؤوسهم قرونًا وصاروا يمشون في الأسواق وينطحون بها كل من لا يبدو عليه الانشراح والرضا خوفًا أن يكون متكدّرًا من جانب «الخادم». وقد صار الناس يدعون هذه الجماعة «النطّاحين». وكان من ضمن هؤلاء النطّاحين شاب مليح الصورة ظاهر الكياسة اسمه «عادل الإسطبلي»، وذلك بحكم عمله في اسطبل «الخادم». وكان هذا الشاب مريدًا لـ«الخادم» إلى درجة كبيرة، ويعيش مع أمّه «عدّولة» الأرملة. وكان رجلها مات وهي ما تزال في عزّ الصبا، وخلّف لها ابنها «عادل» صغيرًا يلعب مع الأولاد في الحارة. وبقيت بدون زواج مع أن خطّابها كانوا كثيرين لجمالها وحسن أدبها. وكانت تقول للخُطّاب: «أربّي ابني ثم أشوف!». ومع أنها جاوزت الأربعين فهي ما تزال حسنة الأعضاء ملفوفة القوام لقلّة الخلف. وقد ربّت ابنها على المهارة والشطارة وحبّ العلياء حتى صار بفضل اجتهاده إسطبليًا عند الملك «ريّان». وحينما جاء شعبان «الخادم» خلّاه في مكانه لِما رأى من حبّه للخيل والبغال والحمير، وكُثر عنايته بها.

وكان «عدّول» في صغره رفيقًا للأميرة «دلع» ابنة «الخادم» شعبان وكان يلعب معها ومع أولاد الحارة وبناتها بدون خجل. فبنات الفقراء مثل الأولاد تمامًا بتمام لا يتستّرن ولا يمتنعن عن مخالطة الذكور، وكثيرًا ما كان «عدّول» يلعب مع «دلع» عريس وعروسة ويفعلان ما يفعل الأولاد الصغار من التكشيف والتحسيس، وظلاّ على هذه الحال إلى أن كبرا وأدرك «دلع» خِراط البنات، فصارت لا تقابله إلا بالسرّ، فيخطف منها بوسة أو اثنتين ويقرصها وهو يرتجف من الخوف.

وحينما صار أبوها «خادمًا للرعيّة» لم يعُد «عدّول» يراها أبدًا. ولكن المقادير أتت بها في أحد الأيام إلى الإسطبل وطلبت من «عدّول» أن يسرج لها حمارًا لتذهب عليه للنزهة. وحينما رآها «عدّول» ركبه الشَّبَق ولم يَدْرِ رأسه من رجليه، فقال لها: «أيَّ حمار تريدينه؟ عندنا في الإسطبل أكثر من عشرين حمارًا». فقالت له: «وهل يوجد فرق بين الحمير؟ ألحمار حمار!». فقال لها «عدّول»: «نعم يوجد فرق بين الحمير، وذلك حسب التي تركب الحمار، فالحمير مقاسات مثل السراويل، وهل تلبس السمينة سروال النحيفة أو تلبس الطويلة سروال القصيرة؟». قالت: «ما سمعنا أن للحمير مقاسات إلاّ عندك!». قال لها: «الأميرات لا يركبن إلاّ الحمير التي على مقاسهنّ، وليس مثل بقية البنات، لأنه إذا كان الحمار عاليًا والأميرة قصيرة لم تقدر أن تلفّ رجليها عليه، فيحصل أن يُجفل الحمار أو يربع فتسقط عنه، وإذا كان عريض الظهر قبرصيًا والأميرة نحيفة قليلة الطول انفلخت وحصل لها وجع شديد في ساقيها، ولذلك من الأحسن أن تدخلي الإسطبل وتقيسي لك حمارًا يناسبك حتى لا يقع عليّ لوم».

قالت: «لم أكن أعلم بهذا لولا أنّك قلت لي». ودخلت الإسطبل وأخذت تقيس الحمير واحدًا واحدًا. وصار «عدّول» يساعدها على الركوب فيضع يده تحت أردافها واليد الأخرى حول خصرها ويرفع، فتغوص أصابعه في اللحم الطريّ، وهو يتقلّب في نار الشوق. وما زال يُركبها حمارًا ويُنزلها عن آخر إلى أن سخن جسمها، وصارت مثل الرغيف الطالع من الفرن، لشدّة الشهوة، ثم هجم عليها وأشبعها بوسًا وقرصًا وعضّاً، فقالت له: «ما هذا يا حبيبي». قال لها: «هذا من شدّة حبّي لك». قالت: «لولا تقييس الحمير لما تذكّرتني». قال: «لولا الحمير ما جمعتنا المقادير». قالت: «وما الرأي عندك الآن». قال: «أن أتزوّجك في الحال والساعة». قالت: «هذا لا يكون، فأنا بنت «الخادم» وأنت سيّد من سادة الإسطبل». قال: «أبوك لا يتكبّر على أحد من الرعيّة، وعندي لك شيء لا تجدينه عند غيري، ثم بدأ يحلّ سراويلها. قالت: «على مهلك: فإذا لم يقبل أبي أن يزوّجني لك؟». قال: «كيف لا يقبل وهو الذي قال أنّ كل الرعيّة أسياد وأن كل الناس أقدارهم متساوية ولا طبقات بين الخلق، وأنت تحبّينني وأنا أحبّك». قالت: «بهذه غلبتني»، فرماها على الأرض وحلّ سراويله واعتلاها، فوجدها درّة لم تُثقَب ومُهرة لغيره لم تُركب. وبعد أن شبعا من العناق، وحكّ الساق بالساق، قال لها: «خذي أيَّ حمار تريدين فكلّها الآن على مقاسك، وغدًا أذهب إلى أبيك وأخطبك منه وتصيري زوجتي بالحلال». قالت: «لا تتأخر عليّ، فقد يكون وقع المحظور». قال: «بيننا وبين المحظور شهور، وأنا غدًا ذاهب إلى أبيك من البكور، خذي حمارك ولا تهتمّي فالمقدور مقدور».

وذهب «عدّول» من الغد بملابس الإسطبل ودخل على الخادم بعين قويّة وقال له: أيها الخادم المحترم. لقد جئت إليك لأخطب منك ابنتك الأميرة «دلع». وعندما سمع «الخادم» هذا الكلام لم يصدّق أذنيه، وظن أن المسكين قد وقع في الجنون، وقال له: هل حدث لعقلك شيء. قال: عقلي يوزن الجبال، وأنا أطلب منك أن تزوّجني الأميرة في الحال. وعندما سمع «الخادم» هذا الكلام كاد ينشقّ من الغيظ، وقدحت عيناه بالشَّرر وظهرت في وجهه النيّة على سفك الدماء، لولا أن «عليان» غمزه بغمزته المعروفة ثم تقدّم منه ووشوش في أذنه قائلاً: لا تهدم الذي بنيناه من أجل هذا السائس المخبول. أطلب منه التأجيل لأجل تشاور الأميرة، وبعد ذلك يحلها الحلّال. وكظم «شعبان» غيظه ثم قال: نحن لا نتكبّر عليك ولكن واجب نشاور الأميرة، فأعطني مهلة! ولكن «عدّول» أسرع يقول: لا حاجة لمشاورة الأميرة فقد شاورتها أنا وهي موافقة.وهمّ «شعبان» بالوقوف وقد عزم على قتل الولد، ولكن «عليان» شدّه من كمّه وقال بصوت خفيض: قل له إذا وافقت الأميرة فأنا موافق. ولكن اطلب منه التأجيل. وحينما قال «الخادم» لـ«عدّول» هذا الكلام قال «عدّول» وقد تعجّب من قلّة فهم «الخادم»: قلت لك إن الأميرة موافقة، فقد كانت اليوم عندي في الإسطبل واتفقنا على الزواج. وخاف «عليان» من غضب «الخادم» فقال لـ«عدّول»: كلامك مقبول ولكن العادة فوق كل شيء ويجب المشاورة. إرجع بعد يومين وخذ الجواب بالقبول،فـ«الخادم» لا يتكبّر على أي «سيّد» من رعيّته. وبعد أن خرج «عدّول» قال «عليان» للخادم: هل نخرب الدنيا من أجل هذا المهبول؟ أصبر قليلاً وأنا أفكر لك في حلّ. قال «الخادم»: إذا لم تعطني الحلّ خربت الدنيا وأرجعت كل شيء كما كان في زمن «ريّان»! لم يبق عليّ إلا مصاهرة السُّوّاس! وحقّ الكرسي الذي أجلس عليه لولاك لأمرت بذبحه على العتبة. قال «عليان»: من بكرة يكون عندك الحلّ، فلا تغضب!

وذهب «عليان» إلى بيته وصار يفكر كيف يخلّص «الخادم» من ورطته. ولم ينم طول الليل، وحينما أصبح الصباح كان الحلّ قد صار في يده، وذهب إلى «الخادم» قبل ميعاده، فوجده أيضًا لم ينم من كثرة ما فكّر فقال له: هل وجدت الحلّ؟ قال: نعم. سأبعث له أحدًا يقتله. قال «عليان»: هذا ولد مخبول، ولا بدّ أنه خرج من عندك وحدّث كل السوّاس في الإسطبل عن خطبته للأميرة، والسوّاس قد حدّثوا نساءهم، ونساؤهم قد حدّثن كل واحدة عشرة نساء، وهكذا.. حتى صار كلّ الناس يعرفون أنه خطب ابنتك، فإذا قتلته قالوا قتله «الخادم» لأنه لا يريد أن يزوّج ابنته من واحد من الرعية، وبذلك نكون انفضحنا. قال «الخادم»: وما عندك من الرأي؟ قال «عليان»: إذا عاد فقل له إنك موافق، ولكن الدخلة تكون بعد يوم المظالم حتى تكون كل الرعية مبسوطة، ويكون العرس عيدًا بِعيدَيْن. قال «الخادم»: ولكن ماذا يصير بعد ذلك؟ قال: سوف تعرف في حينه، إعمل فقط ما أقوله لك.

وأخذ «عليان» واحدًا من رجاله كان معروفًا بمضاء العزيمة مع النساء، يُضرب المثل بالإرث الذي خلّفه له الوالد، وقال له: أريدك أن تتزيّا بشكل شحّاذ أعور، وتذهب إلى بيت «أم عدّول» حينما تكون لوحدها، وتفعل معها الواجب. قال: فإذا لم تقبل؟ قال: شفّع عندها الكنز الذي ورثته عن أبيك، فإن شفاعته لا تخيب، وهي مثل الأرض العطشانة لا ترفض الغيث، فإذا قمت بالواجب فتعال عندي لأجزيك! قال: وماذا تستفيد أنت إذا فعلتُ معها الواجب؟ قال له: لعنة الله عليك من شحّاذ، إذا دعاك أحد إلى وليمة فكُل دون أن تسأل.

ولبس الرجل ملابس الشحّاذين، وشقّ سرواله عند الموضع المطلوب، ثم مضى إلى بيت «أم عدّول» وطرق الباب فخرجت له «أم عدّول» وقالت: أللّه يبعث لك. قال لها وهو يتصنّع التذلّل: لا أريد منك صدقة لا تقدرين عليها. أنا شحّاذ مسكين أتيت من سفرة بعيدة، وقد هدّني التعب والجوع، ولا أريد غير كسرة خبز يابسة وشربة ماء وأستريح عند الباب حى آخذ نفَسي. وأشفقت عليه «أم عدّول» ورغبت أن يحدّثها عن أخبار الناحية التي جاء منها فقالت له: إجلس وسوف أجيء لك بما تريد. وجلس الرجل وفتح رجليه بالشكل المطلوب، ليظهر المستور، وتراه «أم عدّول» وينفذ المقدور. وعادت له «أم عدّول» بطعام وماء فأخذ يأكل وهي تنظر إليه ثم قالت له: من أين القدوم؟ قال من حلب الشهباء. فتعجّبت «أم عدّول» من بُعد المسافة التي قطعها هذا الشحّاذ من أجل الشحاذة، وقالت له: هل أنت من شحّاذين بلدنا؟ فأجابها: نعم! قالت: وهل انقطع الخير في هذا البلد حتى تذهب للشحاذة في حلب، أم لعلّها كثرة الشحّاذين، والمزاحمة على الرزق؟ قال: لا هذه ولا هذه، وإنما لي قصّة عجيبة. فرقص قلب «أم عدّول» من الطرب، وقالت جابها الباري، الآن أسمع قصة مسلّية من هذ الشحاذ. وطلبت منه أن يحكي لها القصة، فأظهر الشحّاذ الاستحياء ورمى عيونه في الأرض وقال: هذا لا أقدر عليه. قالت: ولماذا؟ قال: ما كلّ الكلام يُقال، وحكايتي فقط للرجال، ولا يصحّ أن تُحكى عند ربّات الحجال. فزاد شوق «أم عدّول» الطاق عشرين، وقالت بصوت مبحوح وقلب مجروح: إحكِ، فالشحّاذ ليس عليه حساب عند النساء، وأنا امرأة أمّ أولاد وعندي من المعرفة مثل ما عند الرجال. قال: أخاف أن يصدر منّي وقت الحديث شيء يُغضبك، قالت وقد فرغ صبرها ونشف ريقها من الانتظار: إحكِ ولا تخَفْ، ومهما كان منك لا أغضب ولا أزعل. قال: إذن اعلمي أنني ذهبت إلى حلب للمقايسة. واندهشت «أم عدّول» ولم تفهم معنى الكلام، وقالت: وما معنى المقايسة؟ قال: المقايسة بين الرجال يعني يقول الرجل: متاعي أكبر! فيقول له زميله: بل متاعي أكبر! ثم يخلعان سراويلهما للمقايسة. وانعقد لسان «أم عدّول» من الدهشة والطرب، ولكنها قالت بعد تعب: وهل ذهبت من هنا إلى حلب للمقايسة؟ قال الشحّاذ: نعم! سمعت أن بها حمّارًا غلب كلّ الرجال، وكسب من هذه المهنة الكثير من المال، حتى أنه ترك الشغل وفتح دكانًا للمقايسة، قلت لقد منّ الله عليّ بالشيء الكثير من هذا،فإذا غلبت هذا الرجل صار لي صيت، وفتحت دكانًا للمقايسة أنا الآخر، وتركت الشحاذة. قالت «أم عدّول»: فهل غلبته أو غلبك؟ قال: غلبته في شيء وغلبني في شيء. قالت: وكيف يكون القياس؟ قال: بالتحكيم، فقالت: ومن يحكم في ذلك؟ قال: واحدة من ذوات الخبرة. فصاحت «أم عدّول» متعجّبة: إمرأة تحكم في مثل هذا الشيء! قال: لا يصحّ إلاّ أن تكون امرأة حتى يحصل قياس، وإلا لم تمكن المقايسة. ثم حرّك الشحّاذ رجليه، وعمل أنه قد تعب من الجلوس، فنظرت «أم عدّول» غصبًا عنها إلى ذلك المكان، وكان الشحاذ قد مزّق السروال بحيث أراد، فرأت شيئًا عجيبًا، فانبهر نَفَسها، وجحظت عيونها ولم تعد تقدر أن تبعدهما عن ذلك المنظر العجيب. فصاح الشحاذ: بحياتك لا تطيلي النظر، حتى لا يحسب أنه في مقايسة فلا نعود نقدر عليه! قالت «أم عدّول» وهي لم يبق عندها اصطبار: أنا أقدر على أبوه، ثم قامت فأدخلت الشحّاذ إلى البيت وفعل معها الواجب وأكثر. وقالت بعد ذلك: يا نور عيني متى أراك، فما بقي لي عنك صبر؟ قال: وأنا بالأكثر، ولكن الشحاذ لا يأتي إلى نفس البيت أكثر من مرّتين ثلاث في السنة، وإلاّ قال الناس هيت وكيت، وأنا لا أرى غير الزواج. وكان «عليان» قد أمر الشحّاذ أن يقول ذلك «لأم عدّول». قالت: هذا يوم المنى، وعنّي أنا فقد زوّجتك نفسي من الآن، ولكن يبقى «عدّول» وهو لا يمكن يوافق على زواج أمّه من شحّاذ. قال: ولكن نحن في عصر «الخادم» وقد ألغى الطبقات ومنع المقايسة في الرتب والأقدار. قالت: أتركه لي يوم أو يومين وإن شاء الله لا يصير إلا الخير. وخرج الشحّاذ من عند «أم عدّول» وجاء إلى «عليان» وأخبره بما حصل، فقال له «عليان» إذهب الآن إلى «عدّول» واطلب منه أمّه للزواج، فإذا رفض فأكثِر عليه من السماجة والإلحاح حتى يضربك. قال: وهل أذهب إليه بهذه الثياب؟ قال: لا! فهذه عليها القيمة، ويجب أن تزيد في قذارتها وتمزيقها، فاندهش الشحّاذ من هذا الكلام وقال: لا أفهم شيئًا! قال: أمّا أنت شحّاذ حمار، إذهب وافعل ما أقوله لك!

وذهب الشحّاذ إلى عند «عدّول» في الإسطبل، فلمّا رآه قال له متعجّبًا: أنت أول شحّاذ يدخل الإسطبل، فهل أتيت تشحذ حصانًا أم بغلة؟ قال الشحّاذ: لا تكون الشحاذة في الإسطبلات، ولكنني جئت أطلب إليك شيئًا يشرّفك! فاندهش «عدّول» ولكنه طوّل باله وقال: ما هو الشيء الذي يشرّفني؟ قال: جئت أطلب منك الستّ «أم عدّول» للزواج. قال «عدّول» والأرض تطلع وتنزل به: هل تبغي أن تتزوّج من أمّي؟ قال: نعم، وهي موافقة. قال: إذا كانت موافقة فلا مانع عندي، وهل سنجد أحسن منك في البلد. إنتظر حتى أغيّر ملابسي وأعود فنذهب إلى البيت وأزوّجك إيّاها في الحال. قال الشحّاذ: أسرع فما عندي اصطبار. قال «عدّول»: على عيني ثم رأسي. واندهش الشحّاذ وقال في نفسه: «عليان» مجنون وهذا أجَنّ، ولا أدري ماذا يصير بي بين مجنونين، ولكن نصبر ونرى ما يحصل. وبعد قليل عاد «عدّول» ومعه لجام بغل من الحديد والجلد، وقال للشحّاذ: تعال يا نسيبي العزيز، ثم نزل عليه خبطًا باللّجام إلى أن سقط على الأرض وصار الدم يسيل من كل جسمه، ثم ربطه مع الحمير إلى وقت الغروب، وقدّم له التبن والعلف مثلما يقدّم للحمير. وكان كلّما ذهب وجاء يقول له: أنا أريد أناسب «الخادم» وأتزوّج ابنته، وأنت تريد تناسبني!! خذ! ثم يخبطه بما تيسّر، ولم يطلقه إلاّ بعد أن كاد يقطع النفَس. فقام الشحّاذ بصعوبة على رجليه ومضى إلى «عليان» وهو يجرّ نفسه جرّاً، ولما رآه «عليان» على هذه الحال أخذ يرقص من الفرح وقال له: ألآن نِلنا المطلوب. فصاح الشحّاذ: وهل كان لك عندي ثأر، واللّه لا أبقى في البلد الذي أنت فيها. فضحك «عليان» وقال: إيّاك يا حبيبي أن تفارقنا، وغدًا أقول لك ماذا تفعل. قال الشحّاذ وهو يئنّ من شدّة الوجع: وهل بقي فيها فعل، واللّه سوف أرحل من الساعة ولو حبوًا على يديّ ورجليّ. فزاد ضحك «عليان» وقال: نعم، بقي فيها فعل عظيم، ولكن الفعل ليس فيك هذه المرّة.

وذهب «عليان» إلى «خادم الرعيّة» وقد بان عليه الانشراح وقال له: ما عليك يا مولاي إلاّ أن تجلس غدًا للنظر في المظالم، وأن تبعث إلى نسيبك «عدّول» لكي يكون جالسًا عن يمينك وأنت تحكم بين الناس. فاندهش «الخادم» من هذا الكلام وقال: هذا لا يكون، كيف يجلس هذا المخبول عن يميني ويراه الناس؟ سيقولوا «خادم الرعية» لوّاط وقد عشق إسطبليًا أمرد وأشركه معاه في الحكم. قال «عليان»: وكيف يقولوا هذا وهم يعلمون أنه نسيبك فقد شاع الخبر بين كلّ الناس. قال «شعبان»: تمّت علينا النعمة بفضل تدبيرك. أما يكفي أن الناس قد صدّقوا كلامه عن الزواج من ابنتي، فأقوم أنا أؤيّد كلامه بهذا الفعل، ماذا أقول للناس بعد ذلك؟ أم تراك أنت أيضًا صدّقت الإشاعة وتظنّ أنني سأزوّجه «دلع»؟ قال «عليان»: سوف ترى بنفسك ما يحصل. إعمل ما أقول، وإذا لم أخلّصك منه فاقطع رقبتي.

وأمر «الخادم» مناديًا ينادي في الناس بأن غدًا هو يوم المظالم، وأن عليهم أن يأتوا ليقولوا شكاويهم ضد بعضهم أمام «الخادم»، ثم أرسل وراء «عدّول» وقال له: أنت ستصبح زوج ابنتي بعد غد، وأريد أن يعرف الناس هذا حتى يكونوا مستعدّين ليوم الزفاف ولهذا أرسلت في طلبك لتجلس عن يميني وأنا أنظر في المظالم، ليراك الجميع ويعرفوا مقدارك عندي، فلا تتأخر غدًا. فسُرّ «عدّول» سرورًا عظيمًا وقال في نفسه: إن «الخادم» يريد أن يفتخر بنسبي بين الناس. ثم أعطاه «الخادم» حلّة جديدة ليلبسها من أجل الظهور معه في الغد.

وثاني يوم، جلس «خادم الرعية» للمظالم وجلس «عليان» عن يساره و«عدّول» عن يمينه، وصار الناس ينظرون ويقولون لبعضهم أن «الخادم» قد وفى بوعده لنا، وهذا هو لم يتكبّر على الرعية ويريد أن يزوّج ابنته لسيد من سادة الإسطبل، وصاروا يدعون لـ«شعبان» بطول البقاء ويلعنون «ريّان» وأيام «ريّان». أمّا «عدّول» فقد جعل يلتفت يمينًا ويسارًا بأبّهة ويتكلم مع «الخادم» بدون كلفة، ويمزح معه ومع «عليان» ليفهم الناس معزّته عندهم، و«شعبان» يكاد ينشقّ من الغيظ، ولكنه لا يقدر يقول شيئًا، وحلف في نفسه أنه بعد أن يخلص من هذه الورطة، سيعيد كلّ شيء إلى ما كان عليه عند «ريّان» فيعيد الطبقات، ويتّخذ لقب الملك وأبّهته ولا يعود يتواضع أمام أحد، حتى لا يعودوا يطمعوا فيه.

وصار أصحاب الشكاوي يدخلون ويخرجون و«شعبان» يحكم بينهم بالعدل، ويأخذ حقّ الضعيف من القويّ، والمظلوم من الظالم إلى أن جاء وقت الضحى، وإذا الشحّاذ يدخل وحالته مثل حالة الأموات، وأخذ يبكي ويصبح بين يدي «شعبان»، ثم كشف عن ظهره ورأسه وسائر جسده فإذا هو مليان بالجروح وقد صار أزرقًا كالنيلة. وصاح «عليان» وقد أظهر الغضب والحميّة: من فعل بك هذه الفِعال؟ وحقّ رأس «الخادم» لسوف نأخذ لك حقّك ونجازي من ظلمك! فزاد بكاء الشحّاذ، وكان «عليان» قد علّمه ماذا يقول وماذا يفعل، وجعل يصيح: ما كنت أفكر أنه يحصل لي هذا في زمن «خادم الرعية» وهو الذي أزال الطبقات وساوى بين جميع الناس وصار هو بنفسه كأنه واحد منهم ولا يتكبّر على أحد. آخ يا ظهري، آخ يا راسي! ويا ليت هذا هو كل ما حصل لي فقد ساوى الظالم بيني وبين الحمير فربطني معها وأطعمني التبن والعلف، وصار يقول لي خلّي «الخادم» ينفعك. وضجّ الناس جميعًا حينما سمعوا بهذه الفِعال وصاروا يطالبون برأس الذي فعلها، ولكنّ «عليان» أسكتهم وقال للشحّاذ: من الذي فعل لك هذا، ولماذا فعله؟ فقال الشحّاذ وهو يشهق بالبكاء: الذي فعله هو ذلك الجالس إلى يمين «الخادم»، رحت إليه في الإسطبل وقلت له إنني وأمّه «عدّوله» قد اتفقنا على الزوج على سنّة الله ورسوله، وقد بعثتني إليه لأطلب منه الموافقة، فقال لي كيف أروّج أمّي لشحّاذ، وبدأ يضربني بلجام البغل إلى أن سقطت على الأرض، فقلت له إنني سيد مثلك، و«الخادم» قال كلّ الناس سواء وهو يريد يزوّجك ابنته مع أنك إسطبليّ. فقال لي أنا إسطبلي، والإسطبلي أفضل من «الخادم»، أمّا أنت فشحّاذ، وإذا كان «خادم الرعية» مجنون ويريد يزوّجني ابنته فأنا لست مجنون لأزوّجك أمّي، ثم ربطني مع الحمير وقال لي خلّي «الخادم» ينفعك. وعلا ضجيج الناس، ونظر «شعبان» إلى «عدّول» فوجد وجهه مثل الليمونة الصفراء، وصاح «عليان» بصوت عالٍ: هل السيدة «أم عدّول» حاضرة، فخرجت من بين الجمع وتقدّمت جهة «الخادم» فقال لها: هل صحيح أنك اتفقت مع هذا الرجل على الزواج؟ فقالت بجنان ثابت: نعم. ووالله سوف أتزوجه إن رضي «عدّول» أو غضب. فقال «عليان» في نفسه، لقد ذاقت حلاوة ذلك الشيء. ثم استأذن من الخادم وقال لـ«عدّول»: لماذا فعلت مع هذا السيد الشحّاذ كلّ هذه الفِعال؟ قال «عدّول» ولسانه التصق بحلقه من الخوف: ما فكّرت أن الشحاذين هم من السادة أيضًا. قال: أيها الخسيس، تريد تقسم الناس على كيفك! إذا كان يحق للإسطبلي يتزوج بنت «خادم الرعية» فكيف لا يجوز للشحاذ أن يتزوج أمّ الإسطبلي! وكيف تتعدى على شرف الرعية وتقول أن الذي يخدم البغال والحمير أفضل من الخادم الذي يخدم رعيته. هل البغال والحمير في نظرك أفضل من الرعية؟ صحيح أن «خادم الرعية« يحسب نفسه مثل أي واحد من الناس ولكن شرف خدمة الرعية شرف عظيم لا يحمله إلاّ هو، وقيمته من قيمة الرعية، والذي يسبّه يسبّ الرعية وهو أراد يزوّجك بنته حفاظًا على المبادئ العظيمة التي سنّها، وأنت تجيء فتخون هذه المبادئ! ولم يدرِ «عدّول» ما يقول وقد ركبه الحقّ وانفضح أمام الراعي والرعية ولم بقى له خلاص. فقال «عليان»: أيها «الخادم» الجليل، لقد خان هذا الخسيس مبادئ الرعية، وتكبّر على غيره وتجبّر على السيد الشحاذ وفعل به الأهوال، وشتمك وأهان الرعية، وعَملة واحدة من هذه الأعمال ترجح برأسه، خاصة وأنه لم يحفظ الجميل لك ولا لغيرك. وأنا أطلب باسم الرعية معاقبته أشد العقاب والتنكيل به ليكون عبرة لغيره ولا يعود أحد يخون مبادئ الرعية أو يعتدي على غيره مثل هذا الاعتداء الذي فعله مع السيد الشحاذ. وضجّ الناس بالموافقة والاستحسان، وطالبوا برأس «عدّول» في الحال. فأشار «شعبان» بيده لهم فسكتوا، حتى صار الواحد يسمع صوت نفسه وهو يتردّد، ثم أمر «خادم الرعية» بـ«عدّول» فمزقوا عليه ملابسه، ورُمي عند قدمي «الخادم». وبعد تفكير قال «خادم الرعية»: لا يستحق هذا الكب أن نقتله فيرتاح من الحياة، ولكنني سأحكم عليه حكمًا لا أقبل فيه مراجعة من أحد؛ باكر يعقد السيد الشحّاذ على السيدة «عدّولة» ونصنع لهم عرسًا كبيرًا في القصر، وبعد الزفة يركب السيد الشحّاذ على «عدّول» الكلب بعد أن توضع عليه البردعة واللجام الذي ضرب به السيد الشحّاذ، إلى بيت السيدة «أم عدّول»، وبعد أن يصل ينزل عنه ويركبها، ثم نعيّن السيد الشحّاذ مسؤول عن الإسطبل مكان هذا الساقط، ونحكم عليه بأن يُربط مع الحمير ويأكل من طعامها، وكلّ واحد من الرعية يحبّ أن يركبه لقضاء حاجة يأخذه من الإسطبل ويعيده إليه بدون مشاورة. ويظلّ على هذه الحال إلى تضع السيدة «عدّولة» ولدًا ذكرًا نسمّيه «عدّول»، ثم نقتل هذا الكلب ونحرق جثته، ونذرو رماده في الهواء.

وبعد أن انتهى «خادم الرعية» من كلامه، صاح الحاضرون بالهتاف والدعاء له بطول العمر، وزيادة التوفيق.

فاعلم يا أخي صانك الله من الزّلَل، أن السلطان يصطنع من بعض الناس أدوات يحمل عليها سلطانه، فمن اغترّ بموقعه منه هلك. و«الحمار حمار»! ولا تصدّقوا أن للحمير مقاسات، وإنما هي أدوات للركوب تُساس ظهورها كما تُساس حركاتها. ومن كانت أمّه أرملة في سنّ الأربعين فليحذر عليها من الشحّاذين. والمقايسة في كل مجالاتها عيب فاضح! وقد كثرت المقايسات في زمننا حتى أصبحت تقام سوقها في الشوارع، وينادي بها المنادون. هذا يقايس بقامته، وهذا يقايس بشنبه، وهذا يقايس بحذائه، بل إن بعض الناس أخذوا يقايسون بالمعاني، فهذا أصدق الناس، وهذا أشرف الناس، وهذا أخلصهم لله وللأمّة. وكلّ مُقايِس كذّاب! فلا تصدّقوهم! وخذوا العبرة مما جرى لـ«عدّول الإسطبلي». فقد صدّق «خادم الرعية« حينما قايس عدله بعدل الملك «ريّان» فكان الأمر وبالاً عليه. حمانا الله وإيّاكم من خلل الموازين، وتصديق الكذّابين.. آمين!






 
 
علق على الموضوع...
الاسم (اختياري):
البريد الالكتروني (اختياري):
التعليق: